"... أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِذَنْبِي وَأَنْتَ رَفَعْتَ أَثَامَ خَطِيَّتِي" (مزمور 32: 5) . . . . "وَﭐغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا" (متى 6: 12) . . . . "وَلاَ تَدِينُوا فَلاَ تُدَانُوا. لاَ تَقْضُوا عَلَى أَحَدٍ فَلاَ يُقْضَى عَلَيْكُمْ. اِغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ" (لوقا 6: 37) . . . . "وَكُونُوا لُطَفَاءَ بَعْضُكُمْ نَحْوَ بَعْضٍ، شَفُوقِينَ مُتَسَامِحِينَ كَمَا سَامَحَكُمُ اللهُ أَيْضاً فِي الْمَسِيحِ" (أفسس 4: 32)

الغفران

الغفران هو بمثابة مرهم على الجرح. فإنه يشفي النفس البشرية، ويغرس السلام في أعماقها الداخلية. تؤدي الخطيئة إلى ضعف حياة الشركة مع الله ومع الإنسان. يقوي الغفران الإلهي حياة الشركة بين الله والإنسان. يستعيد الصفح البشري حياة الشركة مع الطرف المذنب بعد توبته. من الهام التمييز بين المغفرة الإلهية والبشرية. نوضح هنا بإيجاز الإختلافات الرئيسية بينهما.

أ) الغفران الإلهي

الغفرانمغفرة الله لذنوب الإنسان تتطلب توبة صادقة وتكفير المسيح الذي قدمه على الصليب. يتلو الغفران الإلهي دائما إرضاء العدل الإلهي. إذا تاب الخاطئ وقبل تكفير المسيح نيابة عنه بإيمان حقيقي، يتم نقل خطيته لحساب المسيح الذي نال عقابها العادل على الصليب، وبذلك يتم إرضاء عدل الله. "وَلَكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ" (يوحنا الأولى 1: 7؛ 2: 2). "لأَنَّ هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا" (متى 26: 28). "وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيباً يَتَطَهَّرُ حَسَبَ النَّامُوسِ بِالدَّمِ، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لاَ تَحْصُلُ مَغْفِرَةٌ" (عبرانيين 9: 22). ثمار التوبة الصادقة هي الأعمال الصالحة التي تتبع التوبة (لوقا 19: 8-10). لكن ثمار التوبة غير مطلوبة للحصول على المغفرة الإلهية، لأن كفارة المسيح كافية.

ارتكب الملك داود خطايا جسيمة، إذ زنى مع زوجة جاره، ثم تآمر لقتله (صَمُوئِيلَ الثَّانِي 11). أرسل الله ناثان النبي ليوبخه (صَمُوئِيلَ الثَّانِي 12: 1-15). إنتبه داود من غفلته وأدرك جسامة خطاياه. قدم داود توبة صادقة بدموع غزيرة (مزمور 6: 6)، وطلب المغفرة. "فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: "قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ." فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: "الرَّبُّ أَيْضًا قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ"" (صَمُوئِيلَ الثَّانِي 12: 13).

الله قادر على غفران أسوأ الخطايا. لكن الخاطئ الذي لا يغفر للآخرين زلاتهم تجاهه لا يستطيع قبول مغفرة الله. توبته غير كاملة، لأنه لا يحب جاره (الطرف المذنب في حقه)، وبالتالي، فأنه لا يحب الله. "إِنْ قَالَ أَحَدٌ: "إِنِّي أُحِبُّ اللهَ" وَأَبْغَضَ أَخَاهُ، فَهُوَ كَاذِبٌ. لأَنَّ مَنْ لاَ يُحِبُّ أَخَاهُ الَّذِي أَبْصَرَهُ، كَيْفَ يَقْدِرُ أَنْ يُحِبَّ اللهَ الَّذِي لَمْ يُبْصِرْهُ؟ وَلَنَا هَذِهِ الْوَصِيَّةُ مِنْهُ: أَنَّ مَنْ يُحِبُّ اللهَ يُحِبُّ أَخَاهُ أَيْضاً" (يوحنا الأولى 4: 20-21). كما أن الله الآب رحوم وغفور، كذلك ينبغي أن يكون أبنائه. ينبغي أن ينموا على مثاله. "فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ" (متى 5: 48).

ب) المغفرة البشرية

الصفح البشري مختلف عن الغفران الإلهي. إذ أنه يؤدي إلى مغفرة و الإلغاء العقوبة التي يستحقها المذنب. ولا يتطلب توبة المذنب. إبتهل يسوع على الصليب إلى الآب السماوي لغفران أولئك الذين صلبوه على الرغم من أنهم لم يتوبوا. على الصليب، "قالَ يَسُوعُ: "يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ" ..." (لوقا 23: 34). اقتداءا بمثال يسوع، صلى اسْتِفَانُوسُ، أول الشهداء، من أجل مغفرة أولئك الذين رجموه حتى الموت على الرغم من أنهم لم يتوبوا: "ثُمَّ جَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَصَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: "يَا رَبُّ لاَ تُقِمْ لَهُمْ هَذِهِ الْخَطِيَّةَ." وَإِذْ قَالَ هَذَا رَقَدَ" (أعمال الرسل 7: 60).

أكد السيد المسيح أهمية التسامح والمغفرة البشرية في تعاليمه:

حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ: "يَا رَبُّ كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟" قَالَ لَهُ يَسُوعُ: "لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ. لِذَلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً مَلِكاً أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ. فَلَمَّا ابْتَدَأَ فِي الْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشْرَةِ آلاَفِ وَزْنَةٍ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلاَدُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ وَيُوفَى الدَّيْنُ. فَخَرَّ الْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ. وَلَمَّا خَرَجَ ذَلِكَ الْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِداً مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ كَانَ مَدْيُوناً لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِنِي مَا لِي عَلَيْكَ. فَخَرَّ الْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ. فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ حَزِنُوا جِدّاً. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى. فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ كُلُّ ذَلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضاً تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟ وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ. فَهَكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَلَّاتِهِ" (متى 18: 21-35).

كان العبد مديونا لسيده بعشرة آلاف وزنة. ليس من الممكن دفع هذا الدين العظيم ببيع عائلته في سوق الرق. كان أعلى ثمن للعبد هو وزنة واحدة فقط. لقد كان من المستحيل دفع هذا الدين الهائل. على الرغم من أن سيده أشفق عليه وغفر له دينه العظيم، لم يشفق هو على العبد رفيقه الذي كان مديونا له بمئة دينار فقط وألقاه في السجن حتى يوفي الدين. مئة دينار تمثل أجر عامل لمدة مئة يوم. إنها كمية تافهة من المال بالمقارنة بدينه الكبير الذي غفره سيده له. نتيجة لذلك، أدرك سيده أنه عبد شرير لأنه لم يرحم العبد رفيقه. فحكم عليه بالتعذيب حتى يدفع كل دينه. إنه عذاب أبدي لا نهاية لها، لأنه لا يمكنه أبدا أن يدفع دينه الهائل. وبالمثل، الخاطئ مديون للعدالة الإلهية بدين هائل لا يستطيع دفعه. إذا لم يقبل بإيمانه التائب الحقيقي، الذي يتضمن التسامح مع الآخرين، التكفير الذي أتمه المسيح على الصليب، فسوف يقضي أبديته في العذاب، لأنه لا يمكنه أبدا أن يوفي مطالب العدالة الإلهية بجهوده الشخصية.

على الرغم من أنه كان في إمكان يوسف الصديق أن ينتقم لنفسه من إخوته في مصر، فإنه لم يفعل ذلك، لأنه غفر لهم الشر الذي فعلوه به في الماضي ببيعه في سوق النخاسة. لكنه أراد التأكد من ندمهم وتوبتهم لما فعلوه به حتى يستعيد حياة الشركة معهم. لذلك، اختبرهم عدة مرات (التكوين 42-45).

على الرغم من أن المؤمن المسيحي يغفر للآخرين أخطاءهم تجاهه بدون شروط، لا يمكن إستعادة حياة الشركة مع المخطئين في حقه إلا بعد توبتهم، لأن الثقة والاحترام المتبادل هي الأسس الضرورية لحياة الشركة والزمالة (متى 18: 17).